إبراهيم بن موسى اللخمي الشاطبي الغرناطي
457
الإعتصام
يختلف التجاري فمنه ما يكون في الغاية حتى يخرج إلى الكفر أو يكاد ومنه ما لا يكون كذلك فمن القسم الأول الخوارج بشهادة الصادق المصدوق رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث قال يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية ومنه هؤلاء الذين أعرقوا في البدعة حتى اعترضوا على كتاب الله وسنة نبيه وهم بالتفكير أحق من غيرهم ممن لم يبلغ مبلغهم ومن القسم الثاني أهل التحسين والتقبيح على الجملة إذ لم يؤدهم عقلهم إلى ما تقدم ومنه ما ذهب إليه الظاهرية - على رأى من عدها من البدع - وما أشبه ذلك لك أنه يقول من خرج عن الفرق ببدعته وإن كانت جزئية فلا يخلو صاحبها من تجاريها في قلبه وإشرابها له لكن على قدرها وبذلك أيضا تدخل تحت ما تقدم من الأدلة على أن لا توبة له لكن التجاري المشبه بالكلب لا يبلغه كل صاحب بدعة إلا أنه يبقى وجه التفرقة بين من أشرب قلبه بدعة من البدع ذلك الإشراب وبين من لم يبلغ ممن هو معدود في الفرق فإن الجميع متصفون بوصف الفرقة التي هي نتيجة العداوة والبغضاء وسبب التفريق بينهما - والله أعلم - أمران إما أن يقال إن الذي اشربها من شأنه أن يدعوا إلى بدعته فيظهر بسببها المعاداة والذي لم يشربها لا يدعو إليها ولا ينتصب للدعاء إليها ووجه ذلك أن الأول لم يدع إليها إلا وهي قد بلغت من قلبه مبلغا عظيما بحيث يطرح ما سواه في جنبها حتى صار ذا بصيرة فيها لا ينثني عنها وقد أعمت بصره وأصمت سمعه واستولت على كليته وهي غاية المحبة ومن أحب شيئا من هذا النوع من المحبة وإلى بسببه وعادى ولم يبال بما لقى في طريقه بخلاف من لم يبلغ ذلك المبلغ فإنما هي عنده بمنزلة مسألة علمية حصلها ونكتة اهتدى إليها فهي مدخرة في خزانة حفظه يحكم بها على من وافق وخالف لكن بحيث يقدر على إمساك نفسه عن الإظهار مخافة النكال والقيام عليه بأنواع الإضرار ومعلوم أن كل من داهن على نفسه في شيء وهو قادر على إظهاره لم يبلغ منه ذلك الشيء مبلغ الاستيلاء فكذلك البدعة إذا استخفى بها صاحبها وإما أن يقال أن من أشربها ناصب عليها بالدعوة المقترنة بالخروج عن الجماعة